EMBODYING TRAUMA-INFORMED PLEASURE

تَجسُّد اللذة المدرِكة للتروما

Decorative Element


Tshegofatso Senne Portrait

تشيخوفاتسو سيني هي نسوية كويرية سوداء، تعاني من أمراض مزمنة، وهي تعمل أكثر من غيرها. الكثير من عملهم متجذّر في المتعة، والمجتمع، والحلم، بينما يتمّ إعلامهم من خلال الإلغاء الجسدي والإعاقة، والشفاء، والعدالة التحويلية. الكتابة والبحث والتحدّث حول القضايا المتعلقة بالنسوية والمجتمع والعدالة الجنسية والإنجابية والموافقة وثقافة الاغتصاب والعدالة، لدى تشيغوفاتسو خبرة 8 سنوات في التنظير حول الطرق التي تتقاطع بها هذه الموضوعات مع المتعة. يديرون أعمالهم الخاصة بعنوان Thembekile Stationery، ومنصّة Hedone تجمع الناس معًا لاستكشاف وفهم قوة الوعي بالصدمات والمتعة في حياتهم اليومية.


الجسد. البيت الأكثر ديمومة لدينا.

الجسد، وليس العقل المفكّر، هو المكان حيث نشعر بالألم، واللذة، والفرح، وحيث يجري أغلب ما يحصل لنا. وهو أيضاً المكان الذي نعالج فيه أنفسنا، من ضمنها تحقيق الشفاء النفسي والعاطفي. وهو المكان الذي نشعر فيه بالمرونة والإحساس بالتدفّق.

هذه الكلمات التي كتبها ريسما ميناكيم في كتابه: «يدَي جدّتي»، بقيت معي.

الجسد؛ يحمل خبراتنا. ذكرياتنا. مرونتنا. وكما كتب ميناكيم، الجسد يحمل كذلك صدماتنا. يستجيب من خلال آليات وقائية عفوية لوقف أو منع المزيد من الضرر. قوة الجسد. الصدمة ليست الحدث؛ إنها أجسادنا التي تستجيب للأحداث التي تشعرنا بخطرها علينا. وفي أغلب الأحوال تبقى عالقة في أجسادنا، إلى أن نتعامل معها. لا يوجد حديث عن أجسادنا خارج هذه الاستجابة – لأنها كذلك.

من خلال استخدامي لتطبيق ديجيتال سوبرباور– Digital Superpower من شركة لينغ تان Ling Tan، تتبّعت كيف كان جسدي يشعر كلّما مشيت في أرجاء مختلفة من مدينتي، جوهانسبورغ، في جنوب أفريقيا. التطبيق هو كناية عن منصّة عبر الإنترنت تعتمد على الإيماءات التي تتيح لك ملاحقة تصوّراتك خلال تحرّكاتك في المواقع من خلال الدخول وتسجيل بياناتك. استعملت التطبيق لتتبّع العوارض البدنيّة-النفسيّة، أي ردود الفعل الجسدية المرتبطة بأسباب عقلية. سواء كان ذلك عبارة عن ذكريات، نوبات هلع، الآلام في الصدر، تسارع في ضربات القلب، آلام الرأس، آلام العضل، أرق، صعوبة بالتنفس. تتبّعت هذه العوارض كلّما كنت أمشي أو أتنقّل في مناطق مختلفة من جوهانسبورغ. وسألت نفسي:

أين يمكن أن نكون آمنات؟ هل يمكن أن نكون آمنات؟

يمكن أن تحصل ردود الفعل البدنيّة-النفسيّة بسبب مجموعة من الأمور، وبعضها ليس شديد الوقع كالبعض الآخر. بعد اختبار أي نوع من الصدمات يمكن أن تشعرك بضيق كبير في أحداث أو مواقف مشابهة. تتبّعت أحساسي، وقيّمت على مقياس يتراوح ما بين 1 إلى 5، رقم 1 يرمز إلى الحالات التي بالكاد شعرت فيها بأيٍّ من هذه العوارض – شعرت بالراحة عوضاً عن الحذر والقلق، وكان تنفّسي وضربات قلبي مستقرة، ولم أنظر إلى الخلف – أما رقم 5 فيرمز إلى العكس – العوارض التي جعلتني أشعر باقتراب الإصابة بنوبة هلع.

كشخص أسود البشرة، كشخص كويري، كشخص كويري جندرياً، يُصار إلى النظر إليه كإمرأة، تبعاً للتمظهر الجندري المُختار في يومٍ مُعيّن.

سألت نفسي.

أين يمكننا أن نكون آمنات؟

حتى في الأحياء التي يمكن اعتبارها «آمنة»، شعرت بالذعر المستمرّ. أنظر حولي للتأكّد من عدم وجود مَن يلاحقني، أعدِّل ملابسي حتى لا يظهر ثدياي كثيراً، وأتلفّت حولي للتأكّد من وجود عدّة مخارج للهروب من المكان في حال شعرت بالخطر. الطرقات الفارغة تسبِّب لي القلق. كذلك الطرقات المكتظّة. وعندما أستقلّ سيارة «أوبر». وعندما أمشي في الطرقات العامّة. وأن أكون في شقتي كذلك الأمر. إضافة إلى استلام أغراضي من خدمة التوصيل من أمام المبنى.

هل يمكن أن نكون آمنات؟

تكتب بوملا دينيو جكولا عن مصنع الخوف النسائي. قد يبدو هذا مألوفاً أو لا، لكن، إذا كنتِ امرأة اجتماعياً، ستعلمين هذا الشعور بشكل جيد. الشعور الذي يدفعك إلى التخطيط لكلّ خطوة تخطينها، سواء في طريقك إلى العمل، أو المدرسة أو مجرد القيام بمهمّة ما. الشعور الذي يتملّكك عند ملاحظة كيف هي ملابسك وتصرّفاتك وحديثك في الأماكن العامّة والخاصة. الشعور بالألم في رأس معدتك إذا كان عليك التنقّل ليلاً، للحصول على أغراضك من خدمة التوصيل، أو التعامل مع شخص يستمرّ بالتواصل مع الناس اجتماعياً كرجل مُطابقٍ جنسياً. التحرّش في الشوارع، والتهديد المتواصل بالعنف. نحن الموجودات في أي مكان يأتينا الخوف فطرياً.
 

الخوف هو ظاهرة فردية واجتماعية-سياسية في الوقت عينه. على المستوى الفردي، يمكن أن يكون الخوف موجوداً كنظامٍ داخليّ صحيّ للتحذير الذاتي […] عندما نفكّر عن الخوف، من المهمّ الاحتفاظ بمفهومَي التجربة العاطفية والطرق السياسية التي يُستخدم فيها الخوف في مختلف العصور للسيطرة.
- بوملا دينيو جقولا، في كتابها «الاغتصاب: كابوس جنوب إفريقي»

Cover for EMBODYING TRAUMA-INFORMED PLEASURE

تعرف النساء الجنوب إفريقيات والكويريات، كيف أنّ كلّ خطوة تخطينها خارج المنزل – خطوات للقيام بأمور عادية: التوجّه إلى المتجر، استقلال التاكسي للذهاب إلى العمل، أو «الأوبر» للذهاب إلى حفلة – كلّ هذه الأفعال هي تفاوض مع العنف. الخوف، هو جزء من الصدمة. للتغلّب على الصدمة التي نحملها داخل أجسادنا، نطوّر استجابات لتحسسّ الخطر – مراقبة الاستجابات العاطفية في محيطنا، استطلاع «الودّ»، نحن دوماً متأهّبات.

يوم بعد يوم، وسنة بعد أُخرى، حياة بعد حياة، و جيل بعد آخر.

حول التحدّي الإضافي لنظام الدفاع المكتسب، كتب بيسيل فان دي كولك، في كتاب «الجسد يستمر بالأرشفة»

إنه يعطل هذه القدرة على قراءة الآخرين بشكل دقيق، الأمر الذي يجعل الناجي/ة من الصدمة، إما أقلّ قدرة على اكتشاف الخطر، أو يكون/تكون أكثر عرضة لسوء تقدير الخطر في حال انعدامه. يتطلّب الأمر طاقة كبيرة جداً للاستمرار في الوقت عينه حاملين/ات ذكرى الرعب وعار الضعف والهشاشة.

كما كتب ريسما ميناكيم، الصدمة موجودة في كلّ شيء؛ تدخل مع الهواء الذي نتنشّقه، والماء الذي نشربه، والطعام الذي نأكله. إنها في الأنظمة التي تحكمنا، والمؤسسات التي تعلّم ولكن أيضاً تسبّب لنا الصدمة، وكذلك ضمن العقود الاجتماعية التي نتشارك بها مع الآخرين. والأهمّ من كل ذلك، أننا نأخذها معنا أينما ذهبنا، داخل أجسادنا، الأمر الذي يرهقنا ويضعف صحتنا وسعادتنا. نحن نحمل هذه الحقيقة في أجسادنا. أجيال منّا تفعل ذلك.

لذلك، وفي وقت كنت أتجوّل في مدينتي، سواء كانت المنطقة «آمنة» أم لا، أحمل معي صدمات الأجيال التي كانت ردود أفعالها مدغمة بجسدي. يخفق قلبي، ويصبح صعباً عليّ التنفس، ويضيق صدري – لأن جسدي يحسّ كما لو أن الصدمة تحصل في ذلك الوقت بالتحديد. أعيش مترقّبة بشدة. إلى درجة تصبح فيه الإنسانة إما متيقّظة للغاية للاستمتاع بحياتها، أو مخدَّرة للغاية حتى تستوعب التجارب الجديدة.

حتى نبدأ بالشفاء، علينا الاعتراف بهذه الحقائق.

هذه الحقائق التي تعيش بأجسادنا.

هذه الصدمة هي التي تمنع الكثيرين منّا من عيش الحياة التي نريدها. اسألوا/ن أي أنثى أو كويرية ماذا تعني السلامة لها، وستشارك معكم/ن على الأغلب الأمثلة التي تمثّل مهاماً بسيطة – القدرة على عيش حياة هانئة بكل بساطة، من دون تهديد مستمرّ بالعنف.

الشعور بالأمان، بالراحة والسهولة هو شعور مكانيّ. عندما تتجسد فينا صدماتنا، فإننا نؤثر على الطرق التي ندرك فيها معنى سلامتنا، كما تؤثر على طرق تفاعلنا مع العالم، وتغيّر الطرق التي يمكننا من خلالها اختبار أو استيعاب أي شيء ممتع أو مفرح.

علينا رفض هذه المسؤولية المرهِقة، والنضال من أجل عالمٍ لنا كلّنا. نحن المقاتلات، بجروحنا نسير قُدمًا. يمكن للنظام الأبوي أن يرهبنا ويعاملنا بوحشية، ولكننا لن نتراجع عن النضال. في حين نخرج إلى الشارع بشكل مستمرّ، متحدّيات الخوف بطرق مذهلة ومتواضعة، فإننا ندافع عن أنفسنا ونُعبّر عن ذواتنا.
- بوملا دينيو جقولا، في كتابها «الاغتصاب: كابوس جنوب إفريقي»

أين يمكننا أن نكون بأمان؟ كيف نبدأ بالدفاع عن أنفسنا، ليس بطريقة جسدية وحسب، إنّما بطريقة عاطفية ونفسية وروحية؟

قالت أدريان ماري براون خلال مقابلة أجراها معها جوستين سكوت كامبل: «الصدمة تُحوّلنا جميعاً إلى مُقاتلات ومقاتلين». قدّم لنا عملها، نشاطية اللذة، عدّة منهجيات لعلاج مثل تلك الصدمة، وترسيخ أنفسنا في إدراك كون الشفاء والعدالة والتحرّر يمكن أن تحمل في طياتها شيئاً من اللذة والمُتعة. خاصة أولئك من بيننا الأكثر عرضة للتهميش، واللواتي ربما تربّين على أن يخلقن ترادفاً ما بين المُعاناة و»العمل». العمل الذي انخرطت فيه الكثير من الناشطات، بنّاءات المجتمعات وعاملاتها، اللواتي يساعدن الفئات الأكثر تهميشاً، العمل الذي نصارع بهدف القيام به، ونستنزف أنفسنا، ونادراً ما نهتم بأجسادنا و أذهاننا. البديل هو أن نصبح على علم بصدمتنا، وأن نكون قادرات على تحديد ما نحتاج، وأن نُصار في أن نتعمّق في أعماق ذواتنا. من شأن التعمّق في ذواتنا السماح لنا بإدراك تجاربنا مباشرةً عبر حواس وأحاسيس أجسادنا، بهدف الإقرار الصريح لما تُخبرنا به أجسادنا عوضاً عن قمعها وتجاهل ما تُحاول إيصاله لنا من معلومات.

إنّ التواصل المستمرّ مع أجسادنا الحيّة، وممارسة ذلك التواصل عن سبق إصرارٍ، من شأنه أن يزيد من متانة تعمُّقنا في ذواتنا، ما يسمح لنا بإخراج المشاعر التي تنتابنا أثناء تفاعلنا مع العالم إلى فضاء المرئي، وبلورة علاقة صادقة بيننا وبين أجسادنا، لفهم كلّ ما تُحاول تلك الأجساد تعليمنا إيّاه. إن فهم الصدمة ومسألة التعمّق في الذات في آن معاً، يمكّننا من البدء بسيروة الشفاء والوصول إلى اللذة بشكل أكثر شمولية وصحّية في حياتنا اليومية، من دون الإحساس بالعار أو الذنب. يمكننا الوصول إلى اللذة كوسيلة للتغيير الفردي والاجتماعي، والاستفادة من القوة الكامنة في ملذات الجسد كما وصفتها أودري لورد، قوة تسمح لنا بمشاركة الفرح الذي بلغناه واختبرناه، وتوسيع قدرتنا على الفرح وفهم أننا نستحقه، حتى مع صدماتنا.

إن المتعة والتعمّق في القوة الكامنة داخل ملذّات الجسد، تُعزّز الإرادة الكامنة في فعل أن نكون على قيد الحياة، إنها تؤمّن لنا إحساساً بالثبات والاستقرار والقدرة على فهم أجهزتنا العصبية. إنها تساعدنا على فهم العبء المتوارث بين الأجيال والتحرّر منه. هكذا نكون قد زوّدنا ذواتنا بمعرفةٍ قادرةٍ على تذكيرنا بحقّنا في الوصول إلى المتعة والاحتفاء بحيواتنا رغماً عن الصدمة التي عشناها أو قد نعيشها، وكلّ ذلك بصيغة قوة يمكن لنا مشاركتها مع شعوبنا. إن الجانب المجتمعي هو المفقود من السبل التي نهتمّ بها بأنفسنا، العناية بالذات لا يمكن أن تكون من دون اهتمام بالمجتمعات. نحن قادرات على الشعور بثقة داخلية أكبر، وبالأمان وقوة أنفسنا، وخاصة في مواجهة الصدمات المقبلة التي ستنكأنا، ومعرفة كيفية تهدئة أنفسنا وإعادة الاستقرار إليها. كل هذا الفهم سيقودنا إلى قوة داخلية عميقة، مدعّمة بالموارد اللازمة لمواجهة أي تحدّيات ستعترض طرقنا.

بصفتنا أولئك اللواتي عانين من صدمات جيلية عميقة، وصلنا نتيجتها إلى انعدام ثقةٍ في قُدرتنا على الوصول إلى القوة الكامنة فينا. تُعلّمنا لورد في كتابها «استعمالات الإيروتيكية: الإيروتيكية كقوة»، أن الإيروتيكية توفر مصدراً للتجديد، وطريقة للمطالبة بالأفضل لأنفسنا وحياتنا. 

إن المتعة التي تُخالج الجسد (الإيروتيكا) لا يُمكن اختزالها بفعلٍ بعينه، لأنها مسألةٌ مُتعلقة باستحكامنا واندماجنا الكامل بالشعور الذي يُخالجنا في مخاض القيام بفعلٍ ما. ما إن نعرف إلى أي مدى نحن قادرات على الشعور بالرضا والكمال، يمكننا عندها ملاحظة أيّ من مساعينا الحياتية المتعددة، تلك التي تجعلنا أقرب إلى هذا الإشباع.

أنا لا أقول ذلك باستخفاف – أعلم أن قوله أهين من الفعل. أعلم أن الكثيرات منّا ممنوعات من فهم هذه الحقائق أو استيعابها أو حتى معالجتها. يولّد فعل المقاومة إحساساً من انعدام الأمان، ولكن هذه الأحاسيس لا تجعل من قرار المقاومة مستحيلاً. إن مقاومة بُنى القوة التي لاتوفّر الأمان سوى لمن هُم في موقع القوة، ستعرّض كلّ من وُضع عند أعتاب هذا العالم للخطر. إدراك الصدمات التي تواجهينها هو إعلان استملاكك لتجاربك الماضية ولكل تلك التي ستلحق. إن المقاومة هي التعبير الحقيقي عن المعرفة القائلة بأننا نستحق أكثر من فتات الخبز التي أجبرتنا هذه الأنظمة على التطلّع إلى لا شيء غيرها. إنها مقاومة تدرك أن صدماتنا هي مورد يربطنا ببعضنا البعض، ويسمح بالحفاظ على أمان بعضنا الآخر. إنها مقاومة تدرك أن المتعة والفرح لا تعني قيام اليوتوبيا، لأننا سنظل نتأذّى ونتعرّض للأذى، ولكننا سنكون جاهزات بشكل أفضل للبقاء والاستمرار في مجتمعات تتميّز بالرعاية واللطف المتنوّعَين. مقاومة تفسح المجال للشفاء والتواصل مع ذواتنا البشرية الكاملة.

لن يكون الشفاء أبداً رحلة سهلة وردية، إنما يبدأ الأمر بالاعتراف بإمكانية التغيير. يجعلنا الاضطهاد ندرك أن اللذة والمتعة ليسا شيئاً يتسنّى لأيٍّ كان الوصول إليهما بشكل متساوٍ. لكن إحدى الطرق التي نستعيد بها ذواتنا كاملة – ذواتنا الكاملة، والمحرّرة – هي عبر استعادة قدرتنا على التماس المتعة واللذة.

كتبت ليا لاكشمي بيبزنا-ساماراسينها في مقالها المعنون نشاطية اللذة (الذي ساهمت فيه):

أعلم أنه بالنسبة لمعظم الناس، لا يمكن لكلمات مثل «رعاية» و»لذّة» أن تكونا في نفس الجملة. جميعنا نعاني من التمييز ضدّ الأجساد بحسب المعايير النمطية للقدرة البدنية، وهي نهج تمييزيّ كاره للأجساد ذات الاحتياجات الخاصة، ونكون أمام خيار مخزي: ألّا تكون أجسادنا بحاجة لاحتياجات خاصة فتباعًا نحصل على الاستقلالية، والكرامة، والسيطرة على حياتنا من جهة، أو أن تكون أجسادنا في حالة تتطلّب احتياجات خاصة، الأمر الذي يُخسرنا كل ما سبق من كرامة واستقلال ولذة إذا ما جاهرنا به. 

ما هي القوة الكامنة بذلك؟ نحن نفهم صدماتنا، ولذلك نفهم صدمات الآخرين؛ وتتجسّد بنا أحاسيس نختبرها ونقصدها بدلاً من تجنّبها وتفاديها. نحن نصل إلى اللذة بطرق تجعلنا نريد تبادل ذلك الفرح ضمن مجتمعاتنا، عندما نعلم بالصدمة، فإننا نمنح أنفسنا مساحة لاختبار كلّ ذلك وإعطاء أنفسنا والآخرين الإذن بالشفاء. تخيّلي، مجتمعاً لدى الجميع فيه إمكانية الوصول إلى الموارد والوقت لعيش حياة ممتعة، بالطريقة التي يريدونها ويستحقّونها. حيث تنحسِر تجلّيات الصدمات مكانيًا لأن الأشخاص يحملون إدراكًا لماهيّة الصدمات يغذّي فيهم احساساً مرهفاً بالتآزر. أليس هذا هو الشفاء؟ أليس مواجهة للصدمات العابرة للأجيال؟ ألا يبني ذلك مستقبلاً أكثر صحة واستدامةً لنا جميعاً.

لقد حان الوقت لإعادة التواصل مع معرفة أسلافنا التي نستحقها حتى نعيش حياة كاملة. نحتاج إلى إعادة الاتصال مع الحقّ الطبيعي بالفرح والوجود من أجل أنفسنا. حتى نتمكن من الشعور باللذة لمجرّد الرغبة بها. وألا نعيش حياة مرعبة. يبدو الأمر راديكالياً؛ إنه شعور راديكالي. في عالم نشعر به بالصدمة والخدر، والخوف، والشعور والبقاء يكون للأقوى، والجشع والعيش مع القضايا البنيوية التي تفضي بنا إلى الأمراض العقلية، يا لها من هدية وأمر مفرح أن نبدأ بالشعور، أن نكون في مجتمعات مع أولئك اللواتي يشعرن، أن يكنّ متكاتفات بشكل صحّي، حتى ليحببن بعضهن البعض بكل شجاعة. الشعور راديكالي. اللذة راديكالية. الشفاء راديكالي. 

لديك الإذن للشعور باللذة. لديك الإذن بالرقص، والخلق وحبّ نفسك والآخرين، للاحتفال وتنمية الفرح. أنت مدعوّة لفعل ذلك. لديك الإذن بالشفاء. لا تراكميها داخلك، ولا تحاولي تجاوز المحنة بمفردك. لديك الإذن بالحزن، ولديك الإذن بالحياة.
- أدريان ماري براون، «لديك الإذن»

يسمح التجسّد بإدراك صدماتنا والعمل من خلالها وإقامة روابط ذات معنى مع أنفسنا والمجموعة. القيام بذلك مع الوقت يحافظ على شفائنا؛ تماماً كالصدمة، الشفاء ليس حدثاً يحصل لمرة واحدة فقط. هذا الشفاء يساعد على دفعنا باتجاه التحرّر الذاتي والجماعي.

أشار أندي جونسون في كتابه «السياسات الكويرية للّذة» إلى الطرق التي من خلالها توفّر لنا كويرية (queering) اللذة مصادر الشفاء، والقبول، والإطلاق، والمرح، والكمال، والتحدّي، والانشقاق، والحرية. يا له من اتساع! عندما تتجسد المتعة من خلال طرق بكلّ هذه الشمولية، والكويرية، فنكون قادرات على الاعتراف بالحدود.

دائما ما تسألنا كويرة اللذة أسئلة تتقاطع مع أحلامنا وواقعنا المُعاش.

من هو الحرّ كفاية أو يستحقّ ما يكفي حتى يشعر باللذة؟ متى يُسمح للمرء بأن يلتذّذ أو يُشعِر غيره باللذة؟ مع مَن يمكن للمرء الشعور باللذة؟ ما هو نوع اللذة المتاحة؟ ما هي حدود الوصول إلى كل الإمكانيات الإيروتيكية والممتعة؟
- أندي جونسون، «السياسات الكويرية للّذة»

عندما ترتكز الممارسات التلذذية المدركة للتروما على الرعاية المجتمعية، نبدأ عندها بالإجابة على بعض هذه الأسئلة. نبدأ بفهم إمكانيات التحرّر. كناشطات من أجل اللذة، هذا هو الواقع الذي نرتكز عليه. يقول الواقع، إن اللذة يمكن أن تكون قليلة، لكن لديها إمكانية الشفاء ليس فقط تحقيق شفائي وشفاء مجتمعي، إنما كلّ الأجيال الآتية.

أنا نظام متكامل؛ كلّنا نظام متكامل. نحن لسنا عبارة عن آلام فقط، ولسنا مجرّد مخاوف، ولسنا مجرّد أفكار. نحن نظام متكامل من أجل اللذة، ويمكننا تعلّم كيف نقول نعم من الداخل إلى الخارج.
- برينتيس هيمفيل – مقابلة مع شار جوسيل

 هناك عالم من اللذة يسمح لنا بأن نبدأ بفهم أنفسنا بشكل كامل، بطرق تعطينا مجالاً لبناء واقع يؤكد لنا أننا قادرات على تحقيق اللذة اليومية المستحقّة. التربيط والتأديب والهيمنة والخضوع إحدى أعمق ملذاتي، تسمح لي بإلقاء نظرة على تلك الوقائع حيث يمكنني الشعور والشفاء من صدماتي، كما الشعور بفرصٍ لا حدود لها من أجل قول نعم من الداخل إلى الخارج. في حين تُبقيني الصدمة عالقة في دوامة من النضال أو الهروب، فإن التربيط والركوع والأثر ولعبة التنفس تشجعني على البقاء متصلة بالأرض، وأعيد الاتصال لإعادة الترميم. تتيح لي اللذة المرِحة بالشفاء، وبتحديد مكان وجود الطاقة المؤلمة في جسدي والتركيز على طاقتي هناك. وتسمح لي بالتعبير عن الأحاسيس التي يشعر بها جسدي بواسطة صراخ الألم والابتهاج، والتعبير عن الـ»لا» من دون خوف والاستمتاع بالـ «نعم» إلى أبعد الحدود. بواسطة خطة السلامة، والعناية اللاحقة، والفهم العميق للصدمة، تمنح الغرابات الجنسية (kink) مكاناً للتلذذ والشفاء اللذين لا يمكن تقديرهما بأي ثمن.

لذلك إذا كانت لذّتك تشبه طهي طعامك في وقت الفراغ، أو ممارسة الجنس، أو إمضاء يومك بالسرير مع أصدقائك، أو المشاركة في المجموعات المهتمّة بالمعوقين، أو بصق أحدهم بفمك، أو الخروج بنزهات يمكن الوصول إليها، أو الخروج إلى مواعيد لتبادل المداعبات، أو المشاركة في حفلات راقصة عبر الانترنت، أو تمضية وقت في الحديقة، أو الاختناق في غرفة ضيقة.
 

دراك قوة الإيروتيكية في حياتنا يمكن أن تعطينا الطاقة لمتابعة تغيير حقيقي داخل عالمنا.
- أودري لورد «توظيف الإيروتيك: الإيروتيكية كأداة للقوة»


Decorative element
Cover image for Communicating Desire
 
Explore Transnational Embodiments

This journal edition in partnership with Kohl: a Journal for Body and Gender Research, will explore feminist solutions, proposals and realities for transforming our current world, our bodies and our sexualities.

Explore

Cover image, woman biting a fruit
 

التجسيدات العابرة للحدود

نصدر النسخة هذه من المجلة بالشراكة مع «كحل: مجلة لأبحاث الجسد والجندر»، وسنستكشف عبرها الحلول والاقتراحات وأنواع الواقع النسوية لتغيير عالمنا الحالي وكذلك أجسادنا وجنسانياتنا.

استكشف المجلة